القرطبي

2

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فأمر مناديا فنادى : " الحج عرفة ، فمن جاء ليلة جمع ( 1 ) قبل طلوع الفجر فقد أدرك ، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " ، أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر ، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ، ويسقط عنه رمى يوم الثالث . ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر ، واستوفى العدد في الرمي ، على ما يأتي بيانه . ومن الدليل على أن أيام منى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العرجى : ما نلتقي إلا ثلاث منى * حتى يفرق بيننا النفر فأيام الرمي معدودات ، وأيام النحر معلومات . وروى نافع عن ابن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، فيوم النحر معلوم غير معدود ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرابع معدود لا معلوم ، وهذا مذهب مالك وغيره . وإنما كان كذلك لان الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه وتعالى : " واذكروا الله في أيام معدودات " ولا من التي عين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " أيام منى ثلاثة " فكان معلوما ، لان الله تعالى قال : " ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ( 2 ) " ، ولا خلاف أن المراد به النحر ، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث ، ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من علمائنا ، فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى : " معلومات " لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه ، فصار معدودا لأجل الرمي ، غير معلوم لعدم النحر فيه . قال ابن العربي : والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح ، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى : " واذكروا الله في أيام معدودات " . وقال أبو حنيفة والشافعي : الأيام المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة ، وآخرها يوم النحر ، لم يختلف قولهما في ذلك ، ورويا ذلك عن ابن عباس . وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر ، قال أبو يوسف : روى ذلك عن عمر وعلى ، وإليه أذهب ،

--> ( 1 ) جمع ( بفتح فسكون ) : علم للمزدلفة . ( 2 ) آية 28 سورة الحج .